صديق الحسيني القنوجي البخاري
46
فتح البيان في مقاصد القرآن
والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة سميت بذلك لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعلية بمعنى فاعلة ، وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محلّلة وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه . وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أم لم يكن لقوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وقوله : وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع . قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده ، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه ، فإذا اشترى جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه ، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم ، ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم ، قال : ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلاف ما قلناه . وقوله : الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وصف للأبناء أي دون من تبنّيتم من أولاد غيركم كما كانوا يفعلونه في الجاهلية ، ومنه قوله تعالى : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [ الأحزاب : 37 ] ومنه قوله تعالى : وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [ الأحزاب : 4 ] ومنه ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [ الأحزاب : 40 ] فلكم نكاح حلائلهم . وأما زوجة الابن من الرضاع فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه ، وقد قيل إنها إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب ، ووجهه ما صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من قوله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » « 1 » وإن كان مقتضى مفهوم الآية تحليلهن ، ولا خلاف في أن أولاد الأولاد وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم . وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا ، فقال أكثر أهل العلم إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك ، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو ابنتها ، وحسبه أن يقام عليه الحد ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنى بها وبابنتها . وقالت طائفة من أهل العلم : إن الزنى يقتضي التحريم ، وحكي ذلك عن عمران
--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه ، راجع الحاشية السابقة .